الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
44
تفسير روح البيان
وسلم ان يمنعوهم فقال صلى اللّه عليه وسلم ( دعوهم ) وقد كان نزل على النبي عليه السلام قبل قدومهم صدر آل عمران لمحاجتهم ثم انتهى أبو حارثة هذا وآخر معه إلى النبي عليه السلام فقال لهما صلى اللّه عليه وسلم ( أسلما ) فقالا أسلمنا قبلك فقال صلى اللّه عليه وسلم ( كذبتما يمنعكما عن الإسلام ثلاث عبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير وزعمكما ان للّه ولدا ) قالوا يا محمد فلم تشتم صاحبنا عيسى قال ( وما أقول ) قالوا تقول انه عبد قال ( أجل هو عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول ) فغضبوا وقالوا هل رأيت إنسانا من غير أب فحيث سلمت انه لا أب له من البشر وجب ان يكون هو اللّه فقال صلى اللّه عليه وسلم ( ان آدم عليه السلام ما كان له أب ولا أم ) ولم يلزم من ذلك كونه ابنا للّه تعالى فكذا حال عيسى عليه السلام فالوجود من غير أب وأم أخرق للعادة من الوجود من غير أب فشبه الغريب بالاغرب ليكون اقطع لشبهة الخصم إذا نظر فيما هو اغرب مما استغربه الْحَقُّ اى ما قصصنا عليك من نبأ عيسى وأمه هو الحق كائنا مِنْ رَبِّكَ لا قول النصارى انه ابن اللّه وقولهم ولدت مريم الها ونحو ذلك فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ اى من الشاكين في ذلك الخطاب للنبي عليه السلام على طريقة الالهاب والتهييج لزيادة التثبيت لان النهى عن الشيء حقيقة يقتضى ان يتصور صدور المنهي عنه من المنهي ولا يتصور كونه عليه السلام شاكا في صحة ما انزل عليه والمعنى دم على يقينك وعلى ما أنت عليه من الاطمئنان على الحق والتنزه عن الشك فيه . قال الامام أبو منصور رحمه اللّه العصمة لا تزيل المحنة ولا ترفع النهى فَمَنْ حَاجَّكَ اى من النصارى إذ هم المتصدون للمحاجة فِيهِ اى في شأن عيسى عليه السلام وأمه زعما منهم انه ليس على الشأن المحكي مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اى ما يوجبه إيجابا قطعيا من الآيات البينات وسمعوا ذلك منك فلم يرعووا عما هم عليه من الضلال والغى فَقُلْ اى فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند وهو ان تدعوهم إلى الملاعنة فقل لهم تَعالَوْا التعالي في الأصل التصاعد كأن الداعي في علو والمدعو في سفل فامره ان يتعالى اليه ثم صار ذلك لكل مدعو اين كان اى هلموا بالرأي والعزيمة لا بالأبدان لأنهم مقبلون وحاضرون عنده بأجسادهم نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ اكتفى بهم عن ذكر البنات لظهور كونهم أعز منهن . واما النساء فتلقهن من جهة أخرى وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ اى ليدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحملهم عليها ثُمَّ نَبْتَهِلْ اى نتباهل بان نلعن الكاذب ونقول لعنة اللّه على الكاذب منا ومنكم فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ عطف على نبتهل مبين لمعناه - روى - انهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر فلما خلا بعضهم ببعض قالوا لعبد المسيح ما ترى فقال واللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من امر صاحبكم واللّه ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن فان أبيتم الا الف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد خرج محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلى خلفها رضى اللّه عنه وهو يقول ( إذا انا دعوت فأمنوا ) فقال أسقف نجران